مدونة كاتب إماراتي

مدونة ترسم كلماتها أقلام إماراتية مبدعة ، تحمل هم الوطن ، وتكتب دفاعا عنه ، بفكر معتدل ، ورؤية وسطية

Archive for the tag “الليبرالية”

من أسرار التيار الليبرالي في الإمارات

في الوقت الذي يسعى فيه التيار الليبرالي في الإمارات جاهدًا للوصول إلى أطماعه السياسيَّة في محاولة منه لاغتنام مجريات ما سُمِّي بالرَّبيع العربي والتأسي بالتيارات الليبرالية الأخرى التي تتسابق للوصول إلى سدَّة الحكم في بعض البلدان العربية؛ فإنَّه يحاول في الوقت نفسه أن يجعل حراكه حراكًا حذرًا مختلف الوجوه متعدد الاتجاهات يتفاوت بين مدٍّ وجزر في محاولات للتغلب على الواقع الإماراتي الذي يمثل في منظومته الوحدوية التي تجمع بين القيادة الرشيدة والشعب الذي ضرب أروع الأمثلة في الولاء والتلاحم حجر عثرة أمام الأطماع الليبرالية السياسية.

لقد حاول الليبراليون في أيَّام سالفةٍ عن طريق حراك سياسيٍّ عدوانِيٍّ خطير أن يقحموا الليبرالية في المجتمع الإماراتي من خلال منتدى الحوار الإماراتي سابقًا، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعًا، ومُنيت تلك الحملة الليبرالية العدوانيَّة الشرسة على الدولة وقيادتها بهزيمة بائسة كبيرة، والسبب في ذلك أنَّها أخطأت في تقدير أمرٍ غايةٍ في الأهميَّة ذلك الذي انتبهت له فيما بعد، ألا وهو تحديد نوعيَّة العلاقة بين الشعب الإماراتي وقيادته، وعلى وجه الأخصِّ تحديد حجم هذه العلاقة، فقد كانت العلاقة من جهة نوعيتها علاقة تلاحم وتكاتف، وكانت من جهة حجمها علاقة شديدة فريدة وطيدة.

والليبراليون وإن كانوا على علمٍ بنوعيَّة هذا العلاقة فإنَّهم لم يحسبوا آنذاك كبير شأن لحجمها وقوَّتها، ولذلك كان منتدى الحوار يشن الهجمات العدوانية المتوالية على قيادة الدولة لإسقاط شرعيتها بالطعن والثلب والتشهير ويحاول إنشاء منظومة سياسيَّة ليبراليَّة معارضة تجعل من الطعون المباشرة في شخوص القادة وسيلةً من وسائل شق طريقها في المجتمع الإماراتي.

وعندما تفطَّن الليبراليون للخطأ الكبير الذي وقعوا فيه كانوا قد خسروا خسارة كبيرة وأضاعوا فرصة ثمينة، ولذلك كان عليهم تغيير دفة المعركة الليبرالية ضد الدولة إلى مسارات مختلفة والاستفادة من سوء التقدير السابق في محاولة انطلاقة جديدة لعلَّ أن يتداركوا فيها خطأ التجربة الماضية.

ولما كانت أكبر عقبة أمام الليبراليين في تحقيق أطماعهم السياسية هي وجود التلاحم المنقطع النظير بين الشعب والقيادة كان لا بد من رسم مسار للتغلب على هذه العقبة يجمع بين أمرين:

1- ذراع ليبرالي سرِّي يتحرك في الخفاء ويعقد تحالفات هنا وهناك ويمارس بعض الأدوار العلنية العدوانية.

2- واجهة ليبرالية أشبه ما تكون بالمبعثرة تجمعها مرتكزات مشتركة عدَّة ضمن أطر فردانية مموهة.

وسنتحدَّث عن هذين الأمرين بالتفصيل.

فعلى مستوى الذراع الليبرالي السري وتحالفاته كان التنظيم الإخواني هو الحليف المناسب الذي يمكن للتيار الليبرالي بالتحالف معه تحقيق أهداف عديدة، إلى جانب وجود قواسم مشتركة عدَّة بين التيارين من أبرزها: الرغبة في الوصول إلى سدَّة الحكم.

وإنَّ المتتبع لحراك التيار الإخواني يعلم جيِّدًا أنَّه لا يعمل بمفرده، بل يعمل خلفه جهات عدَّة، من أبرزها التيار الليبرالي المذكور.

وقد يستغرب البعض في بادئ الأمر من وجود دعم ليبرالي للتنظيم الإخواني مع وجود فوارق فكرية جوهرية كبيرة جذرية بينهما، ذلك الذي يطرح سؤالاً: هل من المعقول أن يدعم الليبراليون التنظيم الإخواني؟

لقد نطق الواقع بكلِّ صراحة بكلمة واحدة: نعم.

إنَّ الليبراليين لا يجدون أي غضاضة في عقد تحالفات سرية في سبيل تحقيق أطماعهم السياسية، وكذلك الإخوانيُّون لا يمانعون من ذلك أبدًا بالذريعة نفسها.

يقول محمود عبد الحليم أحد قيادات الإخوان المسلمين القدماء الذين بايعوا حسن البنا في كتابه (الإخوان المسلمون أحداثٌ صنعت التاريخ) ج2 ص541:”وبالرغم من هذه الفروق الشاسعة بين التنظيمات الإخوانية والتنظيمات الأخرى فإن التنظيمات الإخوانية لمجرد التقائها مع التنظيمات الأخرى في نقطة واحدة وهي العمل على تحرير البلاد من الحكم القائم بها فإنها فتحت لهم صدرها، وأوسعت لهم من حمايتها، ومنحتهم من رعايتها، وكانت موئلا لهم كلما حَزَب الأمر، وملجأٌ إذا اشتدَّ الخطب”.

ومن هنا فإنَّ الخلاف الفكري الكبير والعميق بين الليبراليين والإخوانيين لم يكن حائلاً أمام عقد تحالفات سرية ضد الدولة لتحصيل المكاسب السياسيَّة.

وهنا يظهر سؤال مهم للغاية: ما هو السرُّ الحقيقي وراء التحالف الليبرالي مع الإخوان المسلمين في الإمارات؟

الجواب عن هذا السؤال سيكشف عن حقائق خطيرة جدًّا.

ربَّما ظنَّ البعض أنَّ الدَّعم الليبرالي كان نتيجة وعود إخوانية بالحصول على مكاسب سياسية إذا ما وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة، وأنَّ الليبراليين وقعوا في شراك هذه الوعود الزَّائفة عندما آمنوا بها واطمأنُّوا إلى الإخوان المسلمين وأحسنوا فيهم الظَّنَّ!

ولا شكَّ بأنَّ هذا التحليل ليس بدقيق، بل هو مخالفٌ للواقع تمامًا، فالليبراليون لم ينظروا إلى الإخوان المسلمين ووعودهم بنظرة بريئة أبدًا، كما أنَّ التنظيم الإخواني لم ينظر هو الآخر إلى حليفه بهذه النظرة البريئة أيضًا، فالمنافسة بين الفريقين متأصِّلة وجوهريَّة وشديدة، والخلاف الفكري عميق وجذري، ذلك الذي لا يترك مجالاً لتبادل الثقات بوعود مستقبليَّة، ولا يدع مجالاً لأحد التيارين في أن يترك السلطة للآخر من دون وجود أسبابٍ قاهرة أو لعبة سياسية.

ومن هنا فإنَّ الذي يحدد نوع العلاقة بين التيار الليبرالي والإخواني وأسبابه هو حسابات سياسيَّة تختلف من بلدٍ إلى بلدٍ ومن واقعٍ زمنِيٍّ إلى آخر لا صلة لذلك من قريب أو بعيد بالإيمان بمجرَّد وعود.

وإذا جئنا للتيار الليبرالي في الإمارات بالتَّحديد فإنَّه يفتقد إلى عاملٍ مهمٍّ يقف حجر عثرة أمام أطماعه السياسيَّة، وهو عدم وجود قاعدة شعبيَّة مؤيِّدة لليبرالية أو متقبِّلة لها يمكن الاتِّكاء عليها، وهذه من أكبر المشاكل التي تواجه التيار الليبرالي في الإمارات.

إضافةً إلى أنَّ ما يُسمَّى بالربيع العربي كان له تأثيرٌ من نوعٍ آخر على المجتمع الإماراتي فقد زاد بسببه صلابة ومتانة العلاقة والتلاحم بين الشعب الإماراتي وقيادته ذلك الذي ضيَّق الخناق أكثر على الأطماع الليبرالية.

ونتيجة لهذه المشكلة الكبيرة اتخذ التيار الليبرالي في الإمارات المسارين الخطيرين اللذين سبقت الإشارة إليهما، وهما:

الأوَّل: المسار السرِّي المتمثِّل في تكوين تحالفات مع تنظيم الإخوان المسلمين ومنظمِّات خارجية.

الثَّاني: محاولة تكوين قاعدة شعبية مؤيِّدة أو غير ممانعة؛ للاتكاء عليها في عملية الصعود السياسي.

وفي محاولة لاغتنام فرصة الاستفادة من الربيع العربي المزعوم كان لا بدَّ من تسريع الوتيرة في المسارين بشتَّى الطُّرق الممكنة.

فعلى مستوى المسار الأوَّل ظهر على السطح مزيدٌ من التصعيد ضد الدولة عن طريق تحالفات خارجية مغرضة من قبل التنظيم الإخواني والليبرالي مع منظمات ومراكز مشبوهة، وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذه التحالفات في مقالات سابقة.

وأمَّا على مستوى المسار الثَّاني فقد كان الأمر يأخذ منحى آخر أكثر خطورة وتلوُّنًا وتشكُّلاً، وكان تسريع عجلة هذا المسار يتطلَّب أمرًا خطيرًا، وهو محاولة استغلال مجال يعتبر من أخطر المجالات وأشدِّها تأثيرًا وبالخصوص في العصر الحديث، وهو الإعلام.

ولأنَّ الليبراليِّين يعلمون دور الإعلام جيِّدًا فقد كان عليهم أن يكرِّسوا جهودهم لاستغلال وسائله المحلية والخارجية لتحقيق مآربهم السياسية، وقد سلكوا في هذا الاستغلال مسارين:

الأوَّل: مسار تصعيدي تصادمي علني محدود تولَّى زمامه بعضهم عن طريق بعض القنوات الفضائية الخارجيَّة.

الثَّاني: مسار ثقافي فكري يحاول استغلال منابر إعلاميَّة محليَّة وخارجيَّة لإيجاد ثقل سياسي في المجتمع ويتخذ من بعض المصطلحات والعبارات – كمرحلة أوليَّة – بدائل عن التصريح المباشر بالليبرالية.

وبداهةً فإنَّ هذا المسار الثقافي المزعوم لم يكن مسارًا ثقافيًّا بريئًا، بل كان في كثير من جوانبه لا يمثِّل إلاَّ غطاءً لمشاركات سياسيَّة تتَّخذ في أحيانٍ كثيرة من قضايا سياسيَّة خارجيَّة غطاءً لترويج مفاهيم سياسيَّة معيَّنة، ومن ملفات داخلية معينة سوقًا للصعود الإعلامي.

والسِّرُّ يكمن في أنَّ المقصود الأساس من هذا المسار الفكري المزعوم هو تكوين ثقل سياسي داخلي تحت غطاء الثقافة والفكر في محاولة لإيجاد شريحة جَمعيَّة مؤثِّرة سياسيًّا من خارج إطار السلطة الحاكمة، سواءً كانت تلك الشريحة ليبرالية صرفة أو ذات قابلية لتبنِّي الفكر الليبرالي، تتنهض في مجموع أفرادها كبديلٍ مرحليٍّ للتيار الليبرالي عن القاعدة الجماهيريَّة المفقودة، تطبيقًا لعبارة: (المثقف صوت المجتمع ولسان الشعب).

ويَكمُن الهدف من وراء تكوين هذه الشريحة وإبرازها في أمرين:

الأوَّل: تكوين ثقل سياسي خارج حدود السلطة يمكن بواسطته ممارسة الضَّغط على الدَّولة لتحقيق أطماع سياسيَّة داخلية أو خارجية والتدرج في المطالبات التي تمثل في مجموعها التقليل من سلطة النظام في محاولة متدرجة للوصول به إلى نظام وراثي دستوري إن لم يمكن إزاحته من سدة الحكم بالكلية.

وهذا يكشف لنا عن أسرارٍ كثيرة، منها على سبيل المثال: سر الهجمات الليبرالية المنظمة على مكانة القبيلة في المجتمع الإماراتي بذريعة نبذ الطائفية والعصبية، فإنَّ تعاضد القبائل الإماراتية مع قيادتها يُمثِّل نسيجًا اجتماعيًّا متينًا يقف حجر عثرة أمام الأطماع الليبرالية السياسية للانقضاض على السلطة، إلى جانب أمر آخر وهو موقف هذه القبائل من الأفكار الليبرالية التحررية المخالفة للعادات والتقاليد.

الأمر الثَّاني: فرض الليبرالية على المجتمع الإماراتي كفكر تنويري.

وفي هذا السبيل كان الليبراليون يعلمون جيِّدًا أنَّه ليس من المهمّ لكي يستطيعوا تحقيق أجنداتهم السياسيَّة أن يعتنق المجتمع الإماراتي الفكر الليبرالي، فإنَّ ذلك من الصعوبة بمكان نظرًا لطبيعة المجتمع، كما أنَّه ليس ذلك أمرًا عمليًّا، فكان الطَّريق الأيسر والأسرع لفرض التيار الليبرالي على المجتمع الإماراتي هو أمر أقلُّ من هذا بكثير، وأوفر من جهة الوقت والجهد، وهو محاولة تطويع المجتمع وصهره ليتقبل وجود أفراد ليبراليين، فإنَّ هذا وحده كافٍ جدًّا لينطلق التيار الليبرالي في تحقيق أجنداته.

ولهذا فقد كرَّس الليبراليُّون كلَّ جهودهم في محاولة التطويع والصَّهر هذه؛ تارةً بأساليب التَّرغيب وتارةً بأساليب التَّرهيب.

فوظَّفوا في جانب الترغيب والإغراء كلمات كثيرة من مثل: الحرية والتسامح وتقبُّل الآخر وأدب الخلاف والتنوع الثقافي وغير ذلك.

ووظَّفوا في جانب الترهيب كلمات أخرى كثيرة أيضًا من مثل: نبذ الإقصاء الفكري والطائفية والتكفير والتصفية والشق عن القلوب وتتبع العيوب والانشغال بالآخرين وغير ذلك.

وفي الوقت نفسه لم يتوانَ أصحاب هذا التيَّار عن ممارسة الإقصاء الفكري ضدَّ الآخرين باسم حرية الفكر والتعبير.

ولمزيد من التسريع كان لا بدَّ من تسليط أضواء إعلامية من جهات خارجية على البعض في محاولة لتثبيث أقدامهم وإعلاء أصواتهم في المجتمع الإماراتي، وكان من الضروري جدًّا وجود نماذج شبابيَّة في محاولة لإغراء الشباب الإماراتي بهذه الأضواء الإعلامية الباهرة لسلوك المسلك نفسه.

ولعدم لفت الانتباه لا بدَّ من وجود مبرِّر وذريعة للظهور الإعلامي، فكان من أنسب الطرق إلى ذلك الولوج إلى عالم الصحافة عن طريق كتابة مقالات ومحاولة استغلال من ولج في هذا الباب، فإن ذلك ذريعة مناسبة لتقديم أصحاب هذه المقالات إعلاميًّا على أنَّهم من الكتاب الإماراتيين.

إنَّ الحقيقة الواضحة أنَّ تصدير الثورة إلى دولة الإمارات على غرار ما حدث في بلدان ما يُسمَّى بالربيع العربي أمرٌ صعب المنال، فمن الصعوبة بمكان تفجير ثورة شعبية إماراتية ضد النظام، وبالخصوص بعدما أحدثه الربيع المذكور من مزيد تلاحم وصلابة بين الشعب والقيادة، ومن هنا كان على المغرضين من محبِّي تصدير الثَّورات إيجاد بديل فوري متزامن مع أحداث الربيع العربي المذكور، فكان البديل عن الثورة الشعبية هو إيجاد شريحة ثقافية تقوم بثورة سياسية منظمة في الداخل الإماراتي تحت غطاءات مختلفة من مثل الثقافة والفكر والتغيير والتنوير والإصلاح والحقوق والمشاركة في صنع القرار، ولا بدَّ في هذه الخطوة من استخدام الشباب أيضًا، فقد أثبت الربيع العربي المذكور أن الشباب من الممكن أن يقوموا بأشياء كثيرة ويمكن استغلال حماسهم في الزج بهم في حراكات مختلفة.

ومن هنا فلا يستبعد أن يكون من أهداف الذراع الليبرالي السري وتحالفه مع الإخوان المسلمين في الإمارات إضافةً إلى ما سبق: إحداث نوع من الإرباك والتشويش وإبعاد الأضواء عن الشريحة الليبرالية التي تبني لنفسها كيانًا سياسيًّا في المجتمع تحت غطاء الثقافة والفكر، وإبراز هذه الشريحة على أنها شريحة ثقافية وطنية خالصة صالحة للوقوف أمام ما يُسمَّى بتيار الإسلام السياسي وأنَّه لا علاقة لها بالمؤامرات المغرضة ولا بالتحالفات.

وبالخصوص وأنَّ هذه الشريحة المذكورة حريصة غاية الحرص في هذه المرحلة على عدم التصريح المباشر بتبنِّي الليبرالية وإن كانت تُسوِّق بكلِّ وضوح وبصورة مكشوفة لليبرالية بمدحها وإطرائها والدفاع عنها بل والاستدلال لها بآياتٍ من القرآن الكريم ضمن الحملات المتوالية لتطويع المجتمع التي سبق ذكرها.

إضافة إلى حرص البعض على اغتنام الساحة التعليمية والمجال الأكاديمي لهذا الغرض أيضًا عن طريق التأثير على الأجيال الشابَّة.

كلُّ هذا وغيره يؤكِّد بكلِّ وضوح على خطورة التيار الليبرالي والإخواني على المجمتع الإماراتي، وأنَّهما وإن كانا يختلفان في جوانب عديدة فإنَّهما يشتركان في جوانب كثيرة تهدد الأمن القومي للدولة واستقرارها.

ذلك الذي يضع على كاهل الأقلام الوطنية السيالة مسؤولية القيام بدورها البناء في الذود عن حياض هذا الوطن والتأكيد على وحدته وتلاحمه وتكاتفه، وإبراز الثقافة الإسلامية المعتدلة للمجتمع الإماراتي وعاداته وتقاليده الأصيلة، والتأكيد على مبدأ التعايش السلمي مع كافة الشرائح التي تعيش على أرض الوطن تحت مظلة القيادة الرشيدة تعايشًا سلميًّا آمنًا مستقرًّا بين هذه الشرائح بعيدًا عن حراكات سياسية سرية أو علنيَّة إخوانيَّة أو ليبراليَّة من شأنها المساس بوحدة الوطن واستقراره.

حرية الفكر في سراديب ليبرالية

اختلفت الشعارات التي يستند إليها الطَّاعنون في هذه الدولة ومؤسّسيها وولاة أمرها وثوابتها، ومن هذه الشعارات والذرائع: حرية الفكر، وتحت هذا الشِّعار يُمارِس البعض فنون الطَّعن والسَّبِّ والنَّيل من قادة هذا البلد والتَّحريض عليهم والتعريض بالثوابت والمسلَّمات.

وعندما يتأمَّل المرء كتابات بعض دعاة حرية الفكر يُذهَل من الكم الوفير من التناقضات التي تضمَّنتها، وكأنَّ تلك السُّطور لَم تُكتب إلاَّ لتنطح بعضها بعضًا.

ولسنا نعني بطبيعة الحال بـ (حريَّة التفكير): التفكُّر في الأمور التي ينفع التَّفكير فيها، كالتفكير في العلوم النافعة والمعارف والاختراعات والصِّناعات وأشبابهها وكلّ ما يُفيد من أسباب الرُّقيِّ العلميِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ وغيرها، مستصحبين في ذلك كلِّه تعاليم ديننا الحنيف وما دعا إليه من الأخلاق الفاضلة من العدل والرحمة والإحسان إلى الخلق والوفاء بالحقوق والحث على فعل الخير، متمسِّكين بجذور هذه الأرض وما ورثناه عن أجدادنا من العادات والقيم الأصيلة النَّبيلة.

وحينئذٍ فالذي نعنيه بحرية الفكر هو مِن مثل قول جون ستيوارت ميل (1806 – 1873):”ينبغي توافر الحرية الكاملة والمناقشة لأي مبدأ يعتقد أصحابه أنه عقيدة خلقية، مهما اعتبرناه منافيًا للأخلاق”!

ولكم أن تتخيَّلوا مؤدَّى هذه الكلمة وما يتضمَّنه من الثَّورة على الأخلاق وما ينتج عنه من كوارث أخلاقيَّة وصدام مع الفطرة الإنسانيَّة.

ويقول جون بانيل بيوري مؤرخ بريطاني (1861 – 1927):”إذا ألَّفتُ كتابًا وهاجمتُ فيه الأنظمة الحالية ودعوت إلى نظرة فوضوية ثم قرأه رجل فقام وأعلن التمرد وارتكب جريمة، قد يُستنتج من هذا أن كتابي جعل الرجل فوضويا وبعثه على ارتكاب الجريمة، ولكنه لا يكون جائزا ولا مشروعا أن أعاقب أنا على ذلك أو يصادر كتابي ما دام لا يحوي تحريضا مباشرا على ارتكاب تلك الجريمة بالذات”!

نعم! ليس هذا كهذا!

ولكنَّ الفكر الذي يُحرِّض على الفوضويَّة وينشر الذرائع والأسباب الدَّافعة للجرائم والمصادمات – وإن لم يحتوِ على تحريض مباشر على جريمة بعينها – هو في حدِّ ذاته فكرٌ فوضويٍّ عدوانِيّ لا ينبغي أن يكون بمعزل من المحاسبة!

والمنع من محاسبة هذا النوع من الفكر باسم حرية الفكر وفرض ذلك على المجتمع هو نوعٌ من الإرهاب الفكري والممارسة الدكتاتوريَّة.

وما قيمة الكتب الثَّوريَّة والمقالات الفوضويَّة التي تحرِّض على الجرائم والمصادمات؟!

وهل عدم تضمُّنها على تحريضٍ مباشرٍ على جريمةٍ بعينها يرفع عنها جريرة ما تضمَّنته من الفوضويَّة والتَّحريض والروح العدوانيَّة؟!

إنَّ المرء ليعجب حقًا من محاولات الليبراليِّين لفرض روح الثورة والتمرد ولو كان على حساب القيم والأخلاق والمعقولات الصحيحة، ومدحهم للعقليَّة الثَّوريَّة التي يرفع صاحبها سيفًا بطَّاشًا على رقاب المألوفات، ويغزو بجيشٍ عرمرم العادات والتقاليد، ويتمرَّد بكلِّ تكبُّر وعنجهيَّة على القيم الدِّينيَّة والأخلاقيَّة، ويدعو إلى تربية الأجيال على الشَّكِّ والمعارضة والثَّورة، ويُمارس التَّحريض والتَّأليب على ولاة الأمر.

يقول جون بيوري:”إنك ترى عقل السواد من الناس عقلاً كسولاً لا يميل إلى المعارضة إلاَّ بمقدار”!

ومِن هنا كانت العلاقة وثيقة بين الليبرالية والثَّورات القوليَّة والفعليَّة المختلفة على أخلاق المجتمع وقيمه ورجالاته باسم العقل والفكر والحريَّة!

لا نريد في هذا المقال الخوض في سردٍ تاريخيٍّ أو مقارنات تطول بين بعض الفلسفات وما تحوي من تناقضات، فإن المقام لا يسمح بهذا، ولكن سنناقش بعض ما ورد في كلام جون بانيل بيوري حول حريَّة الفكر ومفهومها بشيءٍ من الإيجاز والاختصار.

النقطة الأولى: بيوري بين حرية الفكر وأغلال التنقاضات:

لقد قسَّم بيوري البشرية في القرون المتطاولة إلى طائفتين: ألمعية نادرة اقتنعت بحرية الإنسان في نشر أفكاره، وأغلبية معادية يصفها بأصحاب العقول الكسولة.

ولنا أن نخاطب بيوري بناءً على منطقه:

أوَّلا: أليس عدم اقتناع الأغلبية المشار إليهم بالحرية المطلقة في نشر الأفكار هو في حدِّ ذاته من قبيل حرية الإنسان في الفكر؟!

فمن الواضح أنَّ جون بيوري نفسه يمارس بتقسيمه هذا الإقصاء الفكري من حيث لا يشعر! فهو يستميتُ في حمل البشرية على ما يعتقد، متهجِّمًا على الرأي المخالف واصفًا أصحابه بأنَّهم من ذوي العقول الكسولة!

وسيأتِي صورًا أخرى من هذه التناقضات.

ثانيًا: إذا كان بيوري يعظ النَّاس أن يقفوا موقف الشك من المعارف فما ذنب من امثتل موعظته ووقف موقف الشك من عقيدة الحرية المطلقة للفكر؟!

رابعًا: إذا كان الاقتناع هو وسيلة قبول الفكرة عند بيوري فما ذنب الذين لم يقتنعوا بتلك الفكرة؟!

خامسًا: إذا كانت التجربة هي الطريق لمعرفة الصواب عند بيوري فإننا لا نرى في هذا العالم حريةً في مكان مهما ادعى أصحابها الكمال إلاَّ وهي مقيدة، ولا نقرأ في كتب الذين ينادون بالحرية المطلقة – ومنهم بيوري نفسه – إلا حرية مقيدة!

ولنضرب على ذلك أمثلة من كلام بيوري نفسه:

فها هو بيوري يعترف بأنَّ حقوق الإنسان الطبيعية كحق المحافظة على الذات وحق التكاثر والتناسل محلُّ اتفاقٍ بين المجتمعات البشرية على فرض قيودٍ كثيرة عليها، فالرجل الجائع مثلاً لا يُؤذن له أن يستولي على طعام رجل آخر، واتصال الجنسين بغية التناسل مقيَّدٌ بشتَّى القوانين والعادات.

يقول بيوري:”لا ريب في أن المجتمع له الحق في تحديد هذه الحقوق الطبيعية، إذ بغير تحديدها لا يُمكن أن يوجد مجتمعٌ له أساسٌ وطيد”.

ولكنْ فرارًا من القيود يُخرِج بيوري حرية الفكر من جملة الحقوق الطبيعية؛ متذرِّعًا بأن الحقوق الطبيعية تتصل بسلوك الناس جميعا وتصرفاتهم، وأما حرية التفكير فإنها تتعلَّق بطائفة قليلة نسبيًّا وهم أولئك الذين لديهم أفكار ثورية أو تجديدية يودون التعبير عنها على حدِّ قول بيوري.

وهذا التَّفريق في حدِّ ذاته ينقض مذهب بيوري في حرية الفكر من وجوه عديدة، منها:

الأوَّل: إذا كانت حرية الفكر عند بيوري حرية تامَّة فإنَّ إقراره بضرورة تقييد الحقوق الطبيعية هو إخراجٌ لهذه الحقوق من نطاق حرية الفكر، بمعنى: أنَّ اعتراف بيوري بضرورة تقييد الحقوق الطبيعية هو بالضرورة تقييد لحرية الفكر!

الثَّانِي: علَّل بيوري تقييد الحقوق الطبيعية بكونها متَّصلة بسلوك الناس جميعًا وتصرفاتهم، وحينئذٍ فكلُّ ما من شأنه أن يتَّصل بسلوك الناس جميعًا وتصرُّفاتهم لا بدَّ أن يكون خارجًا عن إطار حريَّة الفكر!

ومن ذلك أيضًا ما أورده بيوري على لسان جون ستيوارت ميل من أن حرية الفرد مقيدة بمصالح الناس الآخرين وذلك في إطار المذهب النفعي.

وإذا أتينا إلى كلام ميل بدقَّة فإننا نجده يذهب إلى أبعد من هذا، فإنه ينصُّ على منع الفرد من ممارسة ما يضرُّ بالآخرين، وإكراهه على فعل العديد من الأعمال الإيجابيَّة لمصلحة الآخرين.

يقول ميل:”قد يتسبب الشخص بالضرر للآخرين ليس فقط من خلال فعله، بل من خلال تقاعسه وعدم فعله أيضًا، وهو في كلا الحالين مسوؤول أمامهم عن الضرر”.

وحينئذٍ فأين حرية الفكر وسط القيود التي يُمليها منظرُّوها أنفسهم؛ تارةً بمنع الإنسان من بعض الممارسات، وتارةً بإجباره على فعل بعض الممارسات؟!

النقطة الثانية: حقيقة حرية الفكر عند بيوري:

يؤكِّد بيوري على أنَّ حرية الفكر عنده ليست ما يتبنَّاه الإنسان ويعتنقه ضمن الإطار الشخصي الكامن في نفسه، ذلك الذي لا يطَّلع عليه أحدٌ من البشر سواه؛ لأنه لا عِلْمَ لأحدٍ من البشر بما في صدور الآخرين، فهذه الحرية التي يُسمِّيها بيوري بـ (الحرية الفكرية الطبيعية الشخصية) ليست لها عنده قيمة تستحق الاعتبار.

كما أنه ليس المقصود من حرية الفكر بطبيعة الحال: أن يفكِّر الإنسان متحرِّرًا من القيود التي يُمليها عليه ضعفه البشري؛ كإمكانيَّاته العقليَّة المحدودة من جهة الفهم والإدراك، وكالظروف النفسية والنزوات الشخصية والمصالح الذاتية التي قد تؤثِّر على اختياراته الفكريَّة إذا انساق لها.

وحينئذٍ نتساءل: ما حدود حرية الفكر عند بيوري إذن؟!

نجد أنَّ حرية الفكر عنده هي الحرية التي ينتج عنها عملية نشر الأفكار وترويجها، ومن ثَمَّ فتبنِّي أفكار من دون نشرها هي حرية مؤلمة للإنسان على حدِّ قول بيوري.

وحينئذٍ فلأيِّ أحد أن ينشر في المجتمع ما شاء من الأفكار ولو كانت منافية للأخلاق كما سبق في كلام ستيوارت ميل!

ولأيِّ أحدٍ أن ينشر ما شاء من الأفكار الفوضويَّة ما لَم يكن فيها تحريض مباشر على جريمة بعينها كما سبق في كلام بيوري!

وأنَّ العقل الألمعي هو عقل المعارضة وما عداه فهو العقل الكسول!

ولنا أن نخاطب بيوري بناءً على منطقه فنقول له: إذا كان المطلوب هو تفعيل الحرية التَّامَّة للفرد فإنَّ محاولة التأثير عليه فكريًّا هو اقتحامٌ من فوق أسوار فردانيَّته وتدخُّلٌ في خصوصيَّته وحريته!

فإن قال: ليس الأمر كذلك؛ لأنَّه سيختار بناءً على إرادته واختياره.

فيقال: وتصدير الفكر إليه هو نوعٌ من التأثير الفكري على إرادته واختياره، ومحاولة إقناعه بتلك الأفكار هو نوعٌ من الإلزام الفكري، ولو تصوَّرنا الأفكار التي تجول في العقول أجسادًا حيَّة لرأينا بأعيننا عمليَّة الإقناع عبارة عن مصارعة (فكريَّة) بين تلك الأجساد!

على أنَّه يلزم من التعليق بإرادة الآخر واختياره أنَّ كلَّ تدخُّلٍ في خصوصيَّته بقول: (افعل) و(لا تفعل) لا يُعدُّ مساسًا بحريَّته وخصوصيَّته، ما لَم يصل إلى درجة الإكراه العملي، وحينئذٍ فإذا رآه – مثلاً – يتعاطى الخمر فقال له: لا تشرب؛ لَم يُعَدَّ هذا مساسًا بحريته؛ لأنَّ له إرادة واختيارًا!

فهل يرضى بيوري بهذا؟!

نعم! إنَّ الأفكار إن لم تُقيَّدْ بالدين الحقِّ الذي وضعه الله للعباد لصلاح شؤونهم وكمال أحوالهم فإنَّها تَزجُّ بأصحابها في المتاهات والتناقضات والميل عن جادَّة العقول السليمة والفطر المستقيمة.

وقد سئل الشَّيخ زايد بن سلطان مؤسِّس الدَّولة رحمه الله رحمةً واسعةً ورفع درجته في عليِّين عن العلمانيَّة فقال:”إذا لم تعتمد الدولة الدين دستورًا لها فكيف ينتظر منها البشر النفع والفائدة؟!” [(الفرائد من أقوال زايد)(3/354)].

وقال رحمه الله عن الشيوعيَّة:”إن هذه الأفكار المصنوعة من البشر عقائد هزيلة ضعيفة، كالجمال الهزيلة الضعيفة، فلماذا نسمح بدخول هذه الأفكار الهزيلة وعندنا الدستور الرباني الذي وضعه الخالق سبحانه وتعالى” [(الفرائد من أقوال زايد)(2/142)].

وقال رحمه الله عن الديمقراطية:”الديمقراطية كما نفهمها هي ألا تتعدَّى كتابَ الله وسنَّةَ رسوله الكريم، ولا نخرج عن حدودهما، ولا ننهج الديمقراطية التي تعتمد على أفكار البشر، فهذا مما لا يجوز ولا يسمح لنا به الدين ولا الواقع” [(الفرائد من أقوال زايد)(3/400)].

النقطة الثَّالثة: بيوري والفردانيَّة المتطرِّفة والتناقضات مرة أخرى:

يقول جون بيوري:”لا نسمح للدولة بحقِّ التدخل في حرية التعبير عن الأفكار”!

نعم! إن الليبرالية هو مذهب متطرف يغلو في الفردانية على حساب سلطات الدولة وأخلاقيَّات المجتمع، فهو يُثير القيل والقال للتَّقليص من سلطات المؤسسات الأمنيَّة وغيرها؛ لأنَّها بزعمهم لا تتوافق مع ما تعتنقه الليبراليَّة من فردانيَّة الإنسان واستقلاليَّته وحريَّته.

يقول بيوري عن الحركة الفكرية في إيطاليا في القرن الثالث عشر:”وبدأ الفرد يحس بفرديته المتميزة ويشعر بقيمته كإنسان له كيان منفصل عن قومه ووطنه”.

فهي الفردانية المطلقة التي ينفرد بها الإنسان بذاته عن قومه ووطنه، ومن هنا جاء الرَّبط بين الفردانيَّة والأنانيَّة، حتَّى صرَّح بعض هؤلاء بمنتهى الوضوح بأنَّ الأنانيَّة من فضائل الأعمال!

ولكن في الوقت نفسِه يناقض بيوري نفسَه قائلاً:”إننا لو وقفنا موقف الأباطرة الرومان لوجدنا من الأسباب المقبولة ما يُبرِّر اعتبار المسيحية مذهبًا خطيرًا هدَّمًا، ولكنَّه كان الأجدر بهؤلاء الأباطرة إما أن يتركوها وشأنها وإما أن يتَّخذوا تدابير محكمة منسقة للقضاء عليها، فلو أنهم تداركوها في مراحلها الأولى بمراقبة محكمة منسقة لتمكنوا في الأغلب من اقتلاع جذورها”.

ويقول بيوري أيضًا:”إن خصوم المسيحية قد يكون لهم الحق في أن يقولوا: إذا كانت المسيحية باطلة فلماذا يتحتم استعمال عبارات مؤدبة في مهاجتمها”!!

ولسنا هنا بطبيعة الحال ندافع عن الديانة النصرانية المحرَّفة وتاريخ الكنيسة ومحاكم التفتيش وممارساتها في القرون الغابرة، ولكنَّنا نبيِّن تناقضات بيوري من واقع كلامه هو، فحال بيوري ومن على شاكلته من الذين يرفعون شعارات حرية التعبير والفكر أنَّهم غرقى في بحر التناقضات! وأنَّهم من الذين يقولون ما لا يفعلون! وأنهم لا يقصدون بشعاراتهم إلا خدمة أفكارهم هم؛ حمايةً وترويجًا، أما أفكار الآخرين فلا بد من اقتلاع جذورها والقضاء عليها!

بل لا يجدون أدنى حرجٍ في استعمال عبارات غير مؤدبة عند مهاجمة الآخرين!

ومن هنا لم يكن غريبًا على منتدى الحوار الإماراتي الليبرالي سابقًا ممارسة هذه الازدواجيات اللامقبولة، ففي الوقت الذي كان المنتدى المشؤوم يزعم المناداة بالحرية كان هو نفسه يُمارس أنواعًا من الديكتاتوريَّة المشينة وألوانًا من السباب والشتائم والسخرية في القسم الوطني والديني!

النقطة الرَّابعة: الطريق إلى المعارضة والثَّورة؛ الشك في أخلاقيات المجتمع وقيمه:

إذا كانت الليبرالية تحرِّض العقول البشرية على فتح أبواب المعارضة والمصادمة والثورة فإنَّ الطريق الممهِّد لذلك هو إذكاء روح الشك وفتح أبوابه على مصاريعها شيئًا فشيئًا، فلا طريق إلى الليبرالية إلا بالعقلية الثورة، ولا طريق إلى هذه العقلية الثَّوريَّة إلا بالعقليَّة المشكِّكة، فالشكُّ المفرِط والغلوُّ فيه هو الطريق الممهِّد للثورة على القيم والأخلاق.

يقول جون بيوري:”إذا اتخذ تفكير الطفل لنفسه هيئة الشك في تلك المبادئ الدينية أو الخلقية فإن أبويه وأساتذته يسخطون ويثبطونه عن ذلك، إلاَّ إذا كانوا أناسا من نوع نادر ممتاز، ولا ريب في أن الأطفال الذين يتمادون مع حرية الفكر أطفال نابهون على حظ عظيم، ولعل أول وصية مأمولة ينبغي أن تُقال في هذا الوصية: لا تثق ثقة عمياء بما يقوله أبواك”.

يُحرِّض بيوري الأطفال على تبنِّي فلسفة شكيَّة تجاه ما يتلقَّونه من آبائهم ومعلِّميهم، وإذا أُخِذَت هذه الفلسفة على عواهنها لَما سلمت حقيقةٌ من شكٍّ، ولَما سلم عاقلٌ من صيحات الشَّكِّ تقضُّ مضجعه ليلاً ونهارًا، بل إنَّ هذه الفلسفة تحكم على نفسها بنفسها بالفشل الذريع، فكيف تكون الفلسفة الشَّكيَّة طريقة صحيحة في التفكير إذا كانت هي نفسها لا بدَّ أن تكون مشكوكًا فيها عملاً بفلسفة الشَّكِّ؟!

وكون العقول السَّليمة والفطر المستقيمة ترفض ما لا يُقبل من معتقدات فاسدة وأخلاقيَّات منحرفة وكون الأطفال يُرَبَّون على التَّفكير السَّليم لا يعني ذلك بالضَّرورة أن يُجعَلَ الشَّكُّ هو المسيطر على طريقة التَّفكير بحيث يُسلَّط على كلِّ شيء فلا يبقى هناك حقيقةٌ واحدةٌ ثابتة!

ولقد عجبت من أقوام يفرُّون من حقائق مقطوع بها فيقعون فيما تُحيله العقول وتستبعده، وهذا من عاقبة الغلوِّ فِي الشَّكِّ، فإنَّ الإنسان من العسير أن يتحمَّل البقاء أسيرًا بيد الشُّكوك سجينًا في ظلماتها مدى الحياة في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ وإلاَّ أصبح مجنونًا أو قارب الجنون، وحينئذٍ فإنَّ من جرفه الشَّكُّ بعيدًا عن الحقائق فلا يسلم من التَّعلُّق بأوهام، حيث أصبح وصوله إلى شاطئ الحقيقة مع انسياقه وراء الشكوك كالسباحة ضدَّ التيَّار الجارف.

فعجبتُ من أقوامٍ فرُّوا من أزليَّة الخالق سبحانه وتعالى فانتهى بهم المطاف إلى إثبات أزليَّة المخلوق الفاني!

وعجبتُ من أقوامٍ نسبوا الظلم إلى الله سبحانه في قضائه وقدره حتى أنكروا وجوده وأنكروا البعث والنشور الذي هو من تمام حكمته وعدله وفضله فانتهى بهم المطاف إلى نسبة الظلم المطلق إلى الطبيعة وأنَّ المظلومين قد ذهبوا إلى حيث لا قصاص!

ومن هنا قال قائلهم: البقاء للأقوى؛ تصديرًا لشريعة الغاب إلى عالم البشر ليأكل القويُّ منهم الضَّعيف، إذْ كان هذا هو قانون الطَّبيعة في مفهومهم، فلمَّا أحسُّوا من غيرهم إنكارًا قالوا أو قال غيرهم: البقاء للأصلح!

وعجبتُ مِن أحد رؤوس هؤلاء مِمَّن يُشار إليه في الغرب يُنكر في مناظرة علنيَّة أنَّ هذا الكون مخلوق، وعندما يُسأل: فمِن أين نشأ هذا الكون؟ يقول: لا أدري!

وعجبتُ مِمَّن يزعم أنَّ شرع الله الحكيم جلَّ جلاله تقييد للحريَّة ثُمَّ هو نفسه يُقيِّد حريَّات النَّاس باسم القوانين الأرضيَّة!

وعجبتُ من بعض هؤلاء الذين يزعمون أنَّهم يعظِّمون العقول وأنَّهم لا يعتمدون إلا على علمٍ ويقين يجعلون بين البشر والقردة نسبًا، مع أنَّ مباينة البشر لتلك الحيوانات مقطوع بها، بينما لا دليل على الإطلاق على أنَّ الإنسان لَم يكن يومًا إنسانًا منذ وجوده!

والمقصود أنَّ التفكير الشَّكِّي الذي يحرِّض بيوري تربية الأطفال عليه لا يورث إلاَّ أجيالاً مريضةً لا تعرف لأقرب النَّاس إليها حقًّا ولا إلى العلم والرُّقيِّ طريقًا.

وأخيرًا فالحديث – كما يقال – ذو شجون، والكلام حول هذا الموضوع كثير وكثير، والله هو الموفِّق وهو الهادي إلى سبيل الرَّشاد.

Post Navigation

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 3,826 other followers